محمد متولي الشعراوي
4431
تفسير الشعراوى
وقد أرسى ربنا الجبال وجعلها في الأرض أوتادا ، والوتد - كما نعلم - ممسوك من الموتود والمثبت فيه ، بدليل أنه لو تخلخل في مكانه نضع له ما نسميه « تخشينة » لتلصقه وتربطه بما يثبت فيه ، وهنا يقول الحق : وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ « نتقنا » أي قلعنا ، وهناك قول آخر : وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ ( من الآية 154 سورة النساء ) وقال الحق أيضا : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ( من الآية 63 سورة البقرة ) وهنا اختلاف بين « نتق » و « رفع » ؛ لأن الجبل راس في الأرض ، وممسوك كالوتد ؛ لذلك يحتاج قبل أن يرفع إلى عملية نزع واقتلاع من الأرض ، ثم يأتي من بعد ذلك الرفع ، و « نتقنا » تعنى نزعنا الجبل من مكان إرسائه حتى نرفعه ، وقد رفعه الله ليجعل منه ظلة عليهم ، أي أن هناك ثلاث عمليات : نتق أي نزع وخلع ، ثم رفع ، ثم جعله سبحانه ظلة لهم ، وهذا يحتاج إلى اتجاه في المرفوع إلى جهة ما . والحق يقول : « وإذا » أي اذكر إذ نتقنا الجبل ، أي نزعناه وخلعناه من الأرض ، ولا ننزعه ونخلعه من الأرض إلا لمهمة أخرى أي لنجعله ظلة ، وكان تظليل الغمام رحمة لهم من قبل ، وصار الجبل ظلة « عذاب » ؛ لأن الحق أنزل لهم التوراة على موسى فقالوا له : إن أحكام هذه التوراة شديدة . وللإنسان أن يتساءل : لماذا كل هذا التلكؤ مع التشريعات التي جاءت لمصلحة البشر ؟ . وجاء لهم العقاب من الحق بأن رفع فوقهم الجبل كظلة تحمل التهديد كأنه قد يقع فوقهم كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ . لذلك نجد أن كل يهودي يسجد على حاجبه الأيسر ، على الرغم من أن السجود